ابن العربي
880
أحكام القرآن
ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أنتم اليوم عالة فلا يفلتنّ رجل منهم إلّا بفداء أو ضربة عنق . فقال عبد اللّه : يا رسول اللّه ، إلا سهيل « 1 » بن بيضاء ، فإني سمعته يذكر الإسلام . فسكت النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علىّ الحجارة من السماء منّى في ذلك اليوم حتى قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إلا سهيل بن بيضاء . رواه الترمذىّ مختصرا عن أقوال أبى بكر وعمر وابن رواحة ، ورواه مسلم عن عمر ابن الخطاب ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - لما أسروا الأسرى - لأبى بكر وعمر ما ترون ؟ قال أبو بكر : يا نبي اللّه ، هم بنو العمّ والعشيرة ، أرى أن تأخذ منهم فدية ، فتكون لنا قوة على الكفار ، فعسى اللّه أن يهديهم للإسلام . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما ترى يا بن الخطاب ؟ قلت : لا واللّه يا رسول اللّه ، ما أرى الذي رأى أبو بكر ، ولكن أرى أن تمكّننا فنضرب أعناقهم ، فتمكّن عليّا من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكنني من فلان - نسيب لعمر - فأضرب عنقه ؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها . فهوى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما قال أبو بكر ، ولم يهو ما قلت . فلما كان من الغد جئت فإذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان . قلت : يا رسول اللّه ؛ أخبرني من أي شيء تبكى أنت وصاحبك ، فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أبكى للذي عرض علىّ أصحابك من أخذهم الفداء ، لقد عرض علىّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة - شجرة قريبة من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فأنزل اللّه : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ - إلى قوله : فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً فأحلّ اللّه الغنيمة لهم ، وأنزل اللّه : ما كان النبىّ أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ، تريدون عرض الدنيا - يعنى الفداء ، واللّه يريد الآخرة - يعنى إعزاز الدين وأهله ، وإذلال الكفر وأهله .
--> ( 1 ) في ل : سهل .